سالي عبيد
باحثه في مجال التنمية البشرية وتطوير الذات
تعد الفنون المرآة الحقيقية التي تعكس نبض المجتمعات وتوثق تحولاتها لتمنح الحياة عمقاً وجمالاً يهذب الروح، لاسيما أن الموسيقى العربية لم تكن يوماً مجرد ترتيب للنغمات بل هي في جوهرها حالة من الامتداد الروحي، الذي يحول النغم إلى مشاعر حيه تسكن الأعماق.
ومع مر العصور وتوالى الأجيال ظل هذا الموروث يتطور مستمدا نضجه من أصالة الماضي وصولا إلى الخمسينيات والستينيات، حيث تبلورت ملامح جيل عبقري صنف في العقود التالية [جيل العمالقه] لم يكن هذا الجيل مجرد ظاهرة صوتية ،حظيت بجمهور عريض بل كان العهد الذي امتلكت فيه الموسيقى العربية شرف ريادتها وسيادتها الثقافية ،كانت الأغنية لا تقاس بمؤشرات الإنتشار السطحي ،بل بحجم الأثر الوجداني الذي سيبقى بما صاغوا بعبقريتهم من شعراء وملحنين ومطربين زمناً باذخا في ملامحه بدءاً من كوكب الشرق أم كلثوم مرورا بموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وصولا إلى العندليب عبد الحليم حافظ وغيرهم كثيرين ممن شاركهم.
أن القيمة الحقيقية لهذا الجيل تكمن بأنه أصبح مرجعاً تعود إليه الآذن العربية كلما بحثت عن الطرب الأصيل.
وفي أواخر السبعينات برزت أصوات إستثنائية شكلت الجسر الآمن الذي عبرت من خلاله الأجيال التاليه نحو آفاق جديدة للتغيير، أصوات جمعت بين الموهبة والدراسة الأكاديمية تجلى ذلك في موهبة الفنان الكبير هاني شاكر ،على الحجار، مدحت صالح وصولاً إلى الفنان محمد منير الذي أعاد صياغة جديدة لروح الأغنية.
ومع حلول عقدى الثمانينات والتسعينيات برز جيل جديد اتسم بالايقاعات السريعة ورغم التخوف آنذاك من هذا الإيقاع الإ أنه جيل أثبت جدارته بنخبة متميزه من صناع الأغنية ومبدعيها الذين قدموا ألحان وكلمات تتماشى مع روح العصر، فاحدثوا تجديدا لافتاً.
واليوم لا استعيد تاريخاً قرأته بل مرحلة نشأت فيها على سماع تلك الأغنيات من مطربين متميزين مثل محمد فؤاد وعمرو ذياب مصطفى قمر وغيرهم كثيرين ومن أبرز الاصوات في تلك المرحلة [ الفنان الدكتور ايهاب احمد توفيق ] أكتب اليوم عن فنان تلاقت في تجربته الفنية الموهبة الفطرية بالدراسة الأكاديمية ،مسيرة لم تكن النجومية مطلع طموحها، استهل رحلته من أروقة كلية التربية الموسيقية بجامعة حلوان [مصر] متطلعا إلى البحث الأكاديمي والتدريس، وفي احدى الحفلات اعتلى مسرح الجامعة ليشدو بلحن من ألحان سيد درويش [ياناس أنا مت في حبي] فابهر الحاضرين بصوته وبإلحاح من أصدقائه المحيطين به تقدم لمسابقة لاكتشاف الأصوات الشابة أعلنت عنها مجله أكتوبر، هناك وبشجاعة لافتة وقف أمام لجنة تحكيم ترأستها قامة موسيقية شامخة الموسيقار محمد عبد الوهاب ليغني له رائعته حينذاك[من غير ليه] أشاد عبدالوهاب بنقاء حنجرته متنبئا له بمستقبل فني كبير ومنحه المركز الاول، بل واختار له اسمه الفني ايهاب توفيق الذي فتح له أبواب المجد فيما بعد عين بعد ذلك معيداً بالجامعة لتفوقه المتمييز،
مع مطلع التسعينيات لم يكن توفيق مجرد نجم صاعد بل تربع على عرش الأغنية الشبابية بالبومات رائعه راسخا اسمه كواحد من أبرز نجوم الجيل هذه النجومية تجسدت في ثنائيات مميزة كان من أبرزها أغنيه [ ولا عارف ]مع الراحل الفنانه ذكرى ،ولا يمكن أن نغفل عن ثنائياته الغنائية مع الفنان مدحت صالح في أغنيه [عمري إيه] إحدى قمم الطرب في تلك الفترة، وفي أوج حضوره الفني، لم تأسره النجومية بما حملته من شهرة، بل خاض مواجهة استثنائية بالمزاوجة بين مجاله الفني والتزامه الأكاديمي وواصل رحلته مبرهنا على ذلك حصل على درجة الماجستير بامتياز، ثم تتويجها بحصوله على درجة الدكتوراه في الموسيقى في مطلع الألفية الجديدة، وجاءت أطروحته تحمل عنوان [أساليب أداء الغناء العربي في النصف الثاني من القرن العشرين] ليسرد من خلالها تطور الأغنية المصرية من عام 1950 لعام 2000. ليصبح بذلك نموذجاً تفردت تجربته بين أبناء جيله ،جمع في مسيرته الفنية بين النجومية و التكوين الأكاديمي الرفيع.
وفي حديثه عن الدكتوراه، تتضح فلسفة مختلفة تجاه العلم ،إذ لم يسع إليها بحثاً عن لقب يسبق اسمه ،وانما ليضيف لنفسه ثقافة علمية في مجال تخصصه ويرى أن الفن والدكتوراه وجهان لعملة واحدة أساسها الالتزام والتميز.
واليوم يأتي بصوته محملاً بذلك الشجن الرومانسى الذي ميزه وبقدرته على ملامسة الإحساس ،حاضرا في مسارح العواصم العربية والعالمية ،مؤكد أن الصوت الذي يمتلك خصوصيته يترك أثره دائما ويصنع لنفسه حضوراً لا يشبه سواه.
فالموهبه مسؤولية واحترام الفنان لفنه وجمهوره وتاريخه هو في جوهره احترام لذاته ومكانته.
وهنا يبرز جوهر تطوير الذات، فالنجاح ليس نهاية الطريق بل بدايه لآفاق جديده يظل فيها الإنسان ساعياً إلى إثراء ذاته بالمعرفة ،ويجعل في كل مرحلة بداية نحو الارتقاء بذاته.
اذن نحن امام ايقونة غنائية تعتبر جزءاً لايتجزاء من سرديات الفن العربي الاصيل والجميل حكاية فنان حاضر بفنه متجددا في عطائه يضيف كل يوم إلى مسيرته فصلا جديدا.

لاتنسى الاعجاب بصفحتنا عبر الفيس بوك لمتابعة كل جديد .
تابعلاتنسى الاعجاب بصفحتنا عبر كوكل بلس لمتابعة كل جديد
تابعلاتنسى الاعجاب بصفحتنا عبر تويتر لمتابعة كل جديد .
تابعلاتنسى الاعجاب بصفحتنا عبر اليوتيوب لمتابعة كل جديد .
تابع